هل تثبيت الفائدة دليل على أن الرسوم الجمركية غير مقلقة؟


منذ عودة دونالد ترامب إلى الواجهة السياسية، عادت الرسوم الجمركية إلى قلب النقاش الاقتصادي. وفي تقرير حديث لقناة Fox Business، تم الادعاء بأن قرار الاحتياطي الفيدرالي تثبيت أسعار الفائدة دليل على أن المخاوف بشأن الرسوم مبالغ فيها.

لكن هذا الربط بين تثبيت الفائدة وسلامة السياسة الجمركية يتضمن عدة مغالطات اقتصادية تستحق التحليل.

أولاً: هل تثبيت الفائدة يعني أن الرسوم غير تضخمية؟

استخدام قرار الاحتياطي الفيدرالي كحجة للدفاع عن الرسوم يبدو غير منطقي.

فأحد أسباب تثبيت الفائدة كان تحديدًا القلق من التضخم المحتمل الناتج عن الرسوم الجمركية، كما أشار رئيس الفيدرالي جيروم باول.
بمعنى آخر، الرسوم نفسها كانت جزءًا من المخاطر التي راقبها البنك المركزي.

إذن لا يمكن اعتبار تثبيت الفائدة شهادة براءة للسياسات التجارية.

ثانيًا: فرضية لاري كودلو وتأثيرها على المستهلك

قدم المستشار الاقتصادي السابق للبيت الأبيض، لاري كودلو، تبريرًا يعتمد على فكرة بسيطة:

إذا ارتفع سعر سلعة مثل الغسالات بسبب الرسوم، فستشتريها الأسر رغم الارتفاع، لكنها ستقلص إنفاقها على سلع أخرى.
وبالتالي، تنخفض أسعار تلك السلع الأخرى، ويبقى مؤشر الأسعار العام مستقرًا.

لكن هذه الفرضية تتضمن اعترافًا ضمنيًا بأن المستهلك الأمريكي سيتحمل التكلفة، لأنه سيضطر للتنازل عن سلع أخرى.

حتى لو بقي التضخم العام مستقرًا نظريًا، فإن القدرة الشرائية تتضرر عمليًا.

هل يمكن تعميم هذه الفرضية؟

قد تكون هذه النظرية مقبولة نسبيًا إذا كانت الرسوم محدودة في سلعة أو سلعتين.

لكن الواقع مختلف.

الرسوم الحالية تشمل شركاء تجاريين رئيسيين وتغطي نطاقًا واسعًا من السلع، ما يعني أن الضغوط السعرية قد تكون شاملة، لا جزئية.

وهنا يصبح الحديث عن تضخم واسع النطاق أكثر واقعية، حتى لو كان مؤقتًا.

فهم خاطئ لطبيعة التضخم

يرى بعض المدافعين عن الرسوم أن التضخم لا يحدث إلا إذا قام الاحتياطي الفيدرالي بطباعة الأموال أو إذا توسعت الحكومة في الإنفاق.

هذا تبسيط مفرط لمقولة ميلتون فريدمان الشهيرة بأن "التضخم دائمًا وأينما كان ظاهرة نقدية".

المعادلة الاقتصادية المعروفة:

P × Y = M × V

تربط بين العرض النقدي والأسعار، لكنها تفترض ثبات سرعة تداول النقود وعدم تأثر الإنتاج الحقيقي بالمتغيرات النقدية.

في الواقع الحديث، هذه الافتراضات لم تعد دقيقة بالكامل.

صدمات العرض ودورها في التضخم

التضخم لا يأتي فقط من زيادة الكتلة النقدية.

يمكن أن ينتج أيضًا عن نقص في المعروض من السلع، وهو ما يُعرف بصدمات العرض.

الرسوم الجمركية، بطبيعتها، تقلل من المعروض وترفع التكلفة، ما قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار حتى دون توسع نقدي.

أبحاث مؤسسة كاتو أشارت إلى أن كثيرًا من فترات التضخم غير الاعتيادية كانت نتيجة صدمات عرض، لا سياسات نقدية توسعية.

كيف يعمل الاحتياطي الفيدرالي فعليًا؟

من المهم توضيح نقطة أساسية:
الاحتياطي الفيدرالي لا يطبع الأموال بشكل مباشر كما يُصوَّر أحيانًا في الخطاب السياسي.

هو يؤثر على الاقتصاد عبر أدوات نقدية غير مباشرة، أبرزها التحكم في أسعار الفائدة بين البنوك.

حتى بعد تغييرات ما بعد أزمة 2008، يظل الهدف الأساسي هو إدارة التضخم عبر تكلفة الاقتراض، وليس عبر ضخ نقدي عشوائي.

الخلاصة

السياسات الجمركية تُسوَّق أحيانًا على أنها دفاع عن الطبقة الوسطى الأمريكية.

لكن الواقع الاقتصادي يشير إلى أن الرسوم تؤدي إلى:

— ارتفاع الأسعار
— انخفاض تنوع السلع
— تراجع الكفاءة الاقتصادية

كلما اتسع نطاق الرسوم، زادت الضغوط التضخمية وارتفعت التكلفة على المستهلك.

ربط هذه السياسات بقرارات الاحتياطي الفيدرالي لتبريرها لا يستند إلى تحليل اقتصادي متماسك.

في النهاية، الرسوم قد تكون أداة سياسية فعالة، لكنها اقتصاديًا ليست بلا تكلفة.

إرسال تعليق

أحدث أقدم